سيرة عبد الرحمن بن عوف من الولادة حتى الوفاة
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
عبد الرحمن بن عوف أحد الثمانية السابقين
الى الإسلام ، عرض عليه أبو بكر الإسلام فما غُـمَّ عليه الأمر ولا أبطأ ، بل سارع
الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبايعه وفور إسلامه حمل حظـه من اضطهاد المشركين
، هاجر الى الحبشة الهجـرة الأولى والثانيـة ، كما هاجر الى المدينـة مع المسلميـن
وشهـد المشاهد كلها ، فأصيب يوم أُحُد بعشريـن جراحا إحداها تركت عرجا دائما في
ساقه ، كما سقطت بعـض ثناياه فتركت هتما واضحا في نطقه وحديثه...
· مولد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
ولد بعد عام الفيل بعشر سنوات
· حياة عبد الرحمن بن عوف
كان -رضي الله عنه- محظوظا بالتجارة إلى حد
أثار عَجَبه فقال :( لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا )...وكانت
التجارة عند عبد الرحمن بن عوف عملاً وسعياً لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف ،
وهذا ما نراه حين آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار ، فآخى
بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ربيع ،فقال سعد لعبد الرحمن :( أخي أنا أكثر أهل
المدينة مالا ، فانظر شطر مالي فخذه ، وتحتي امرأتان ، فانظر أيتهما أعجب لك حتى
أطلّقها وتتزوجها )...فقال عبد الرحمن :( بارك الله لك في أهلك ومالك ، دُلوني على
السوق )...وخرج الى السوق فاشترى وباع وربح...
· صفات عبد الرحمن بن عوف
حق الله
كانت تجارة عبد الرحمن بن عوف ليست له وحده
، وإنما لله والمسلمون حقا فيها ، فقد سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول يوما
:( يا بن عوف إنك من الأغنياء ، وإنك ستدخل الجنة حَبْوا ، فأقرض الله يُطلق لك
قدميك )...ومنذ ذاك الحين وهو يقرض الله قرضـا حسنا ، فيضاعفـه الله له أضعافـا ،
فقد باع يوما أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين
وفقراء المسلمين ،وقدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام ، ويوما آخر ألفا وخمسمائة
راحلة...
وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل
الله ، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا بدرا حتى وصل للخليفة عثمان نصيبا من
الوصية فأخذها وقال :( إن مال عبد الرحمن حلال صَفْو ، وإن الطُعْمَة منه عافية
وبركة )...وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل :( أهل المدينة جميعا شركاء لابن
عوف في ماله ، ثُلث يقرضهم ، وثُلث يقضي عنهم ديونهم ، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم
)...وخلّف بعده ذهبُ كثير ، ضُرب بالفؤوس حتى مجلت منه أيدي الرجال...
قافلة الإيمان
في أحد الأيام اقترب على المدينة ريح تهب
قادمة اليها حسبها الناس عاصفة تثير الرمال ، لكن سرعان ما تبين أنها قافلة كبيرة
موقَرة الأحمال تزحم المدينة وترجَّها رجّا ، وسألت أم المؤمنين عائشة -رضي الله
عنها- :( ما هذا الذي يحدث في المدينة ؟)...وأُجيبت أنها قافلة لعبد الرحمن بن عوف
أتت من الشام تحمل تجارة له فَعَجِبَت أم المؤمنين :( قافلة تحدث كل هذه الرجّة
؟)...فقالوا لها :( أجل يا أم المؤمنين ، إنها سبعمائة راحلة (
وهزّت أم المؤمنين رأسها وتذكرت :( أما أني
سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة
حَبْوا )...ووصلت هذه الكلمات الى عبد الرحمن بن عوف ، فتذكر أنه سمع هذا الحديث
من النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مرة ، فحثَّ خُطاه الى السيدة عائشة وقال
لها :( لقد ذكَّرتني بحديث لم أنسه )...ثم قال :( أما إني أشهدك أن هذه القافلة
بأحمالها وأقتابها وأحْلاسِها في سبيل الله )...ووزِّعَت حُمولة سبعمائة راحلة على
أهل المدينة وما حولها...
الخوف
وثراء عبد الرحمن -رضي الله عنه- كان مصدر
إزعاج له وخوف ، فقد جيء له يوما بطعام الإفطار وكان صائما ، فلما وقعت عليه عيناه
فقد شهيته وبكى ثم قال :( استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني فكُـفّـن في بردة إن
غطّت رأسه بدت رجلاه ، وإن غطّت رجلاه بدا رأسه ، واستشهد حمزة وهو خير مني ، فلم
يوجد له ما يُكَـفّـن فيه إلا بردة ، ثم بُسِـطَ لنا في الدنيا ما بُسـط ، وأعطينا
منها ما أعطينا وإني لأخشى أن نكون قد عُجّلـت لنا حسناتنا
(
كما وضع الطعام أمامه يوما وهو جالس مع
أصحابه فبكى ، وسألوه :( ما يبكيك يا أبا محمد ؟)... قال :( لقد مات رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ، ما أرانا أخّرنا لما
هو خير لنا(
وخوفه هذا جعل الكبر لا يعرف له طريقا ،
فقد قيل :( أنه لو رآه غريب لا يعرفه وهو جالس مع خدمه ، ما استطاع أن يميزه من
بينهم(
الهروب من السلطة
كان عبد الرحمن بن عوف من الستة أصحاب
الشورى الذين جعل عمر الخلافة لهم من بعده قائلا :( لقد توفي رسول الله وهو عنهم
راض )...وأشار الجميع الى عبد الرحمن في أنه الأحق بالخلافة فقال :( والله لأن
تُؤخذ مُدْية فتوضع في حَلْقي ، ثم يُنْفَذ بها إلى الجانب الآخر ، أحب إليّ من
ذلك )...وفور اجتماع الستة لإختيار خليفة الفاروق تنازل عبد الرحمن بن عوف عن حقه
الذي أعطاه إياه عمر ، وجعل الأمر بين الخمسة الباقين ، فاختاروه ليكون الحكم
بينهم وقال له علي -كرم الله وجهه- :( لقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
يصفَك بأنك أمين في أهل السماء ، وأمين في أهل الأرض )...فاختار عبد الرحمن بن عوف (
عثمان بن عفان ) للخلافة ، ووافق الجميع على اختياره...
· وفاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
في العام الثاني والثلاثين للهجرة جاد
بأنفاسه -رضي الله عنه- وأرادت أم المؤمنين أن تخُصَّه بشرف لم تخصّ به سواه ، فعرضت
عليه أن يُدفن في حجرتها الى جوار الرسول وأبي بكر وعمر ، لكنه استحى أن يرفع نفسه
الى هذا الجوار ، وطلب دفنه بجوار عثمان بن مظعون إذ تواثقا يوما أيهما مات بعد
الآخر يدفن الى جوار صاحبه...وكانت يتمتم وعيناه تفيضان بالدمع :( إني أخاف أن
أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال )...ولكن سرعان ما غشته السكينة واشرق وجهه
وأرْهِفَت أذناه للسمع كما لو كان هناك من يحادثه ، ولعله سمع ما وعده الرسول -صلى
الله عليه وسلم- :( عبد الرحمن بن عوف في الجنة
).
شاهد أيضاً حياة أبو بكر الصديق
شاهد أيضاً حياة أبو بكر الصديق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق